ملا محمد مهدي النراقي
79
جامع السعادات
والنقصان حتى لا يغبن في شئ منها ، كذلك ينبغي أن يفتش عن أفعال النفس ويضيق عليها وليتق غائلتها وحيلتها ، فإنها خداعة مكارة ملبسة ، فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما تكلم به طول نهاره ، وليتكفل بنفسه من الحساب قبل أن يتولاه غيره في صعيد القيامة ، ثم بتصحيح الجواب عن جميع أفعاله وأحواله : من نظره ، وقيامه ، وقعوده ، ونومه ، وأكله ، وشربه ، حتى عن سكوته لم سكت ، وعن سكونه لما سكن ، وعن خواطره ، وأفكاره ، وصفاته النفسية ، وأخلاقه القلبية ، فإن خرجت عن عهدة الجواب عن الجميع ، بحيث أدت الحق في الجميع ، ولم تترك شيئا مما يجب عليها ، ولم ترتكب شيئا من المعاصي : حصل لها الفراغ من حساب هذا اليوم ، ولم يكن شيئا باقيا عليها ، وإن أدت الحق في البعض دون البعض ، كان قدر ما أدت الحق فيه محسوبا لها ، ويبقى غيره باقيا عليها فيثبته عليها ، وليكتب على صحيفة قلبه كما يكتب الباقي على شريكه على قلبه وعلى جريدته ، ثم النفس غريم يمكن أن تستوفى منها الديون ، أما بعضها فبالغرامة والضمان ، وبعضها برد عينه ، وبعضها بالعقوبة لها على ذلك ، ولا يمكن شيئا من ذلك إلا بعد تحقق الحساب وتمييز الباقي من الحق الواجب عليه ، فإذا حصل ذلك أشتغل بعده بالمطالبة والاستيفاء . ورابعها - وهو آخر مقامات المرابطة - ( معاتبة النفس ) ومعاقبتها على تقصيرها ، والمجاهدة بتكليفها الطاعات الشاقة ، وإلزامها الرياضات الشديدة ، فإنه إذا حاسب نفسه ، فوجدها خائنة في الأعمال ، مرتكبة للمعاصي ، مقصرة في حقوق الله ، متوانية بحكم الكسل والبطالة في شئ من الفضائل ، فلا ينبغي أن يهملها ، إذ لو أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي ، وأنس بها بحيث عثر بعد ذلك فطامها عنها . فينبغي للعاقل أن يعاتبها أولا ، ويقول : أف لك يا نفس ! هلكتيني وعن قريب تعذبين في النار مع الشياطين والأشرار ، فيا أيتها النفس الأمارة الخبيثة ! أما تستحين وعن عيبك لا تنتهين ؟ ! فما أعظم جهلك وحماقتك ! أما تعرفين أن بين يديك الجنة والنار وأنت صائرة إلى إحداهما عن قريب ؟ فما لك تضحكين وتفرحين وباللهو والعصيان تشتغلين ؟ أما علمت أن الموت يأتي بغتة من غير إخبار ، وهو